رفض إسرائيل المستمر للسلام إذ يهدد مستقبلها

رفض إسرائيل المستمر للسلام إذ يهدد مستقبلها



مصطفى كركوتي - الحياة



في عالم تتغير فيه الأولويات باستمرارٍ يثير الذعر في النفوس وسرعة غير مسبوقة لا تتوقف عن الإدهاش، تبقى سياسة إسرائيل القائمة على التوسع وتهويد الأراضي العربية وتهجير سكانها ورفض الاعتراف باستقلال فلسطين، الثابت الوحيد في شرق أوسط ديناميكي يواجه تحديات كبرى غير مألوفة على مدى قرن وأَزْيَد. ويتفق هذا العالم منذ عقد على الأقل على أن رفض إسرائيل مبادرة الملك (ولي العهد آنذاك) السعودي عبدالله للسلام في 2002 قد فوّتت فرصتها التاريخية في الحصول على ما تريد منذ تأسيسها عام 1948: الاعتراف العربي الشامل.



ولا شك في أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو آخر زعماء هذه الدولة الذي يفوت فرصة كهذه متهرباً من مسؤوليته الاستجابة لرأي عام أميركي ودولي داعٍ لتسوية حل الدولتين، بإعلانه المفاجئ إجراء انتخابات عامة في العام الجديد. فلا حديث عن السلام ولا مساعٍ ديبلوماسية لتحقيق التسوية الآن وليس قبل الانتخابات على الأقل. فسياسة حكومة نتانياهو، مثلها في ذلك مثل حكومات إسرائيلية سابقة، هي الرضوخ لمطالب الكولونياليين الصهاينة: المزيد من التوسع. وحكومات مناحيم بيغن وإسحق شامير وأرييل شارون، إضافة إلى نتانياهو طبعاً، سباقة في هذا السياق. ولكن يجب ألا تؤثر هذه السياسات في عزم الفلسطينيين على الاستمرار في المطالبة بحقوقهم وألا تضعف جهود الرئيس الفلسطيني محمود عباس كي يتقدم هو ورهط كبير من دول العالم نحو مجلس الأمن بمسودة قرار يصيغ مستقبل دولة فلسطين، على رغم مساعي وزير الخارجية الأميركي جون كيري إقناع القيادة الفلسطينية بألا تفعل.



فلا جديد في سياسة إسرائيل تلك، إذ إن غالبية حكوماتها باتت منذ حرب الأيام الستة لحزيران (يونيو) 1967 أكثر عداء وتشدداً، وأصبحت مناوراتها في التكتيك للتهرب من أي مسعى حقيقي للتفاوض سياسة رسمية للدولة. وكان الديبلوماسي البريطاني الراحل، اللورد كارادون (هيو ماكنتوش فوت)، صاحب القرار الدولي 242 الصادر عن مجلس الأمن إثر هزيمة العرب قبل 47 عاماً، يردد في كل عام يفوت على الفشل في تحقيق السلام «يجب ألا نيأس، ربما يكون العام المقبل أفضل». وبقي اللورد كارادون متفائلاً بثقة، حتى وفاته في أيلول (سبتمبر) 1990 بإمكانية تحقيق السلام على أساس حل الدولتين وفقاً للقرار 242. ولكن يتساءل المرء الآن ماذا سيقوله هذا الضابط المقيم سابقاً في فلسطين الانتداب، وقبلها في قبرص وجامايكا ونيجيريا، لو بقي على قيد الحياة.



القرار 242 كان عنوان النشاط الرسمي الأخير للورد كارادون قبل تقاعده كوزير دولة للعلاقات الخارجية ومندوب بلاده الدائم في مجلس الأمن، وبقي هذا القرار من دون تنفيذ طوال عمر ست حكومات بريطانية وثماني إدارات أميركية ونحو 12 حكومة إسرائيلية. ولا يبدو أن حكومة جديدة في إسرائيل ستسعى بالضرورة الى تنفيذ القرار 242. وعلى رغم احتضان هذا القرار لكثير من مبادرات السلام منذ صدوره في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 على قاعدة الأرض مقابل السلام، فإنه أنجح المفاوضات مع مصر وبعدها مع الأردن ولكن ليس مع الفلسطينيين ولا السوريين. وجاء بعد ذلك القرار 338 إثر حرب تشرين الأول (أكتوبر) الداعي الى تطبيق القرار الدولي 242 بكل أجزائه، لكن حكومات إسرائيل المتلاحقة، مدعومة دائماً من الولايات المتحدة، تجنبت تباعاً هذا القرار في شقه الفلسطيني واستمرت في سياستها التوسعية. وجاءت بعد ذلك معاهدة السلام لعام 1978 مع مصر برعاية الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر ووقّعها بيغن والرئيس المصري الراحل أنور السادات. وعلى رغم دعوة المعاهدة إلى «حل المشكلة الفلسطينية»، فإن الفلسطينيين لم يمَثَّلوا في المفاوضات. ومعروف أن السادات دفع حياته ثمناً لتوقيعه على المعاهدة.



وبات السبيل إلى السلام مذّاك مملوءاً بخيبات الأمل نتيجة مواقف إسرائيل التوسعية. وفي مؤتمر مدريد لعام 1991 تمثلت مصر وسورية ولبنان والأردن وإسرائيل وسُمِح لشخصيات فلسطينية من خارج منظمة التحرير الفلسطينية بتمثيل الفلسطينيين ضمن إطار الوفد الأردني. ولم يرتقِ التمثيل الفلسطيني إلى مستوى منظمة التحرير حتى مؤتمر أوسلو في 1993 حيث شاركت المنظمة رسمياً للمرة الأولى في مفاوضات السلام مع إسرائيل. وتلى ذلك التوقيع على اتفاقية السلام برعاية أميركية-روسية في مرج «البيت الأبيض» الرئيس، حيث تصافح الراحلان، الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء إسحق رابين، وتم التشديد على أن الاتفاقية تستند الى قراري 242 و338. إلا أن ثمة مبادرات عدة على مدى العقد اللاحق باءت بالفشل.



وتقدم العرب بأهم مبادرة للسلام صاغتها السعودية في مؤتمر القمة في بيروت عام 2002، وأعيد التقدم بهذه المبادرة في مؤتمر قمة الرياض لعام 2007. ويتفق كثيرون في العالم على أن إسرائيل فوتت فرصة تاريخية برفضها مبادرة شاملة وقوية تستجيب مطلبها التاريخي: اعتراف عربي كامل مقابل الانسحاب إلى حدود 1967 وإقامة دولة فلسطينية. ودفع رئيسان أميركيان، السابق جورج ووكر بوش والحالي باراك أوباما، باتجاه التسوية على أساس القرارين 242 و338 أيضاً ولكن من دون جدوى، نتيجة الموقف الإسرائيلي الرافض.



في تبريره رفض الدعوة الأميركية الأخيرة للسلام، يدعي نتانياهو أن الإسلاميين سيسيطرون على السلطة إذا سُمِح بتأسيس دولة فلسطينية مستقلة. قبل نحو عقدين أطلق بيغن ادعاء مماثلاً عندما قال إنه لو نفذت إسرائيل معاهدة «كامب ديفيد» بكامل شقَّيها، فإن الضفة الغربية ستتحول إلى قاعدة لإطلاق الصواريخ على إسرائيل. اللورد كارادون علق على تصريح بيغن آنذاك بقوله: «إن بيغن لا يغش غير نفسه». ولو قُدِّر لهذا الديبلوماسي البريطاني أن يبقى على قيد الحياة لقال الشيء نفسه عن نتانياهو. بل من المؤكد أن ينضم إلى ركب سياسيين وم``ؤرخين وصحافيين في أميركا وأوروبا، وحتى في إسرائيل، الذين يتحدثون الآن عن احتمال أن تلفظ سياسةُ حكومة نتانياهو إسرائيل إلى خارج المنطقة، نتيجة رفضها السلام مع الفلسطينيين.





from منتديات السعودية تحت المجهر
سيو

0 التعليقات: